الاثنين، 8 يونيو 2020

الخمير و الفطير للشاعرة إيمان كيالي

الخمير والفطير 

التقيتهم صدفة في المول، شابكين ايديهم ببعض، وهم يتشاورون في شراء حاجاتهم، نظرت إليهم وقلت في نفسي ( الحمد لله ما زال الحب يخيم على قلبيهما )، اقتربوا مني وكان سلامهم يحتوي على الكثير من السرور بلقائي، وأنهم يحبوني ويحملون لي في قلبهم كل مودة واحترام، قالوا لي: هذا انت لم تتغيري، قلت لهم : وانتم أيضا لم تتغيروا دوما مع بعض في كل شيء، واصروا على زيارتي لهم بأقرب فرصة، فوعدتهم بإذن الله عندما تسمح الفرصة لن اقصر.
وبعد حوالي اسبوع، اتصلوا بي وهم متفقين على موعد الزيارة ودعوتي للغداء معهم، فتركت كل شيء بيدي وذهبت.
وفي الطريق فكرت ان لا ادخل عليهم ويدي فارغة، يجب أن اشتري شيء حتى ولو وردة او هدية تذكارية، فأخترت لوحة صغيرة مزخرفة بآية قرانية( وجعلنا بينهما مودة ورحمة)  .
طرقت بابهم، وفتح الباب واستقبلوني بفرح شديد وترحيب لا مثيل له. 
كانت المائدة مليئة بجميع الأصناف، بكل ما لذ وطاب من الطعام والحلويات والفواكه، غضضت البصر وقلت في نفسي : ( ما شاء الله، الله يهنيهم، انها عائلة سعيدة حقا، دكتور ومهندسة ورواتبهم مرتفعة، واضح ذلك من رتابة المنزل وتحفه الأثرية وفرشه من النوع الفاخر ) وانا اعرفهم منذ ثلاثون سنة، محترمون والأهم من ذلك تواضعهم ونفيستهم المرحة. 
وأثناء الغداء أخذنا الحديث عن احوالنا واخبارنا خلال عشر سنوات مضت، وفهمت ان اولادهم في الجامعات يكملون دراستهم في البلاد الأوربية، وبقيت هي وزوجها يكملان الحياة مع بعضهما، ولا يفترقان ابدا، يتساعدان في كل شي بدءا من الشراء وانتهاء بتنظيف البيت، وأن أجمل شي بينهما الحب والاحترام الذي حافظوا عليه منذ بداية الزواج. 
واخذوا يحدثوني عن ذكرياتهم الحلوة ونهفاتهم من خلال عملهم. 
فوضع زوجها لقمة في فمها فنظرت إليه بحنان وهي تلوك اللقمة ببطء شديد، ويده فوق يدها المرتجفة، وسهام العشق تنطلق بين عيونهم، وكانهما سيقفزان ويلتصقا  كجسدين في جسد واحد، فقلت في نفسي :( معقول انهم أصبحوا في الستين من العمر كانهما يعشقون لأول مرة، الله يسعدهم)، استمريت في الطعام كي لا اقطع عليهم لحظة سعادة، ثم قلت لهم : احم احم نحن هنا، ضحكوا وتابعنا الغداء وهم يتبادلون جميع كلمات الحب والغزل، قلت في نفسي : ( يجب أن انسحب كي يأخذوا راحتهم، قبل أن ينسوا انني بينهم ). 
فبدات اخلق أحاديث جانبية وفكاهات مسلية  كي ينتبهوا لوجودي. 
وعندما شبعنا شكرتهم على دعوتهم الرائعة، كما عبروا عن سرورهم لزيارتي لهم، وخاصة انه لم يبق لهم أصدقاء بعد هذه الظروف في البلد. 
وقمت لمساعدتهم في نقل الصحون إلى المطبخ لكن منعوني، واجلسوني لاشرب الشاي، وهم في المطبخ سمعت بعض كلامهم الغير مفهموم، فقلت في نفسي :( لا بد انهم يتغزلون ببعضهم، هذا هو الزواج بعد النضج يكون ناجحا وخاصة أنهما على سوية من العلم، وتزوجوا عن حب ودراية بالتفاهم ). 

برهة وبدأ الصوت مسموع.. ( قلت لك  الف مرة لا تضع الصحون هكذا يجب أن تنشفها بالمنشفة قبل ) 
رد عليها قائلا :( وانا قلت لك تنشف لوحدها ) 
قالت : انت دوما تقول بعدين وتنسى 
قال : انت تقفين لي على اتفه الأشياء 
احتد النقاش بينهما حتى وصل الذروة، ونكشوا الخمير والفطير. 
امك عملت كذا وكذا.. 
اخوك الذي... 
انت... 
بل أنت.... 
بقيت صامتة كي لا تكبر المشكلة. يبدوا انهم  نسيوا انني موجودة. 
دخلا الصالون ومعهم صينية القهوة، وتذكروا انني معهم، صمتوا لحظة ونظروا لبعضهما، فقلت في نفسي: ( هذا ملح الحياة الزوجية والآن يتصالحا ويعودان للحب بهذه النظرات ) 
لكنه رفع يده، وأشار بالسبابة وقال : انت طالق طالق طالق. 
حملقت عيناها به وقالت له : احسن واريح واخيرا خلصت منك. 
حاولت أن اصلح بينهما واهدئ من حدة المشكلة واظهرها بأنها لا تستاهل ان تصل لهذا الحد، لكن عبث، رد علي قائلا : معذرة أستاذة ايمان، تحملتها كثيرا، دائما تأمرني وكأنني خادم عندها. 
ردت هي : بل أنت تعاملني كأنني غبية، مفكر المي ماشية من تحتي، بعرف انك خنتني مع كذا واحدة، وانك تصرف عليهم هدايا اكثر مني، كيف تجرؤ على خيانتي مع شقفة ممرضة سودة زرقة،بطول رجلي... اي امرأة تصبر على ذلك وانا التي وقفت بجانبك لبناء هذا البيت حجرة حجرة... 
رد هو : بل أنت التي تحبين فلان ورايتكم في مطعم كذا... وصورك معه كانكما تحضنان بعض... 
ورغم انني قبل يوم أخرجت أخيك من السجن... 

تارة هي تكشف أوراقه، وتارة هو يكشف أوراقها. 
واخذوا يضربون بعضهم كل واحد بما يجد شيئا من قربه ليرميه على الآخر ، حتى ارتشقت القهوة لسقف البيت. 

تدخلت بينهما محاولة استجلاب ذكرياتهم الحلوة والحب الذي عاش بينهما ثلاثة عقود من الزمن، لكن لا جدوى. 
كانوا يفتحون أسرارا ومشاكل استحييت من ذكرها، والشاطر هو الذي يكشف للآخر انه كاشف كل شيء عن الآخر وساكت لأجل الاولاد، اما الآن، الأولاد كبروا وتزوجوا وسافروا، وحان وقت الحساب. 

صرخا في وجهي قائلين : طفح الكيل ولم نعد محتمل!! 

تالمت كثيرا مما حدث ووقفت محتارة هل استأذن وانصرف، ام ابقى؟؟؟؟!!! 

حلب، إيمان كيالي
8/6/2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق